أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ

Understand the process of publishing electronic articles and reaching a wider audience.

 
تقبع الأرض في مجرة درب التبانة؛ تلك المجرة الحلزونية الهائلة التي تزدحم – في أرجائها – بمئات المليارات من النجوم الشبيهة بشمسنا. ويذهب كثير من التقديرات الفلكية إلى أن عدد نجومها يتراوح، على وجه التقريب، بين مئتي مليار وأربعمئة مليار نجم.
 
ولمجرة درب التبانة بنيةٌ محكمةُ التكوين، متعدّدةُ الملامح، تتألف – في أشهر التقسيمات – من عناصر كبرى، من أبرزها:
 
أولًا: الانتفاخ المجرّي (Galactic bulge)
وهو كتلةٌ نجميةٌ كرويةٌ متورّمة في قلب المجرة، تغلب عليها النجوم العتيقة، وتبدو كأنها نواةٌ مضيئة تشدّ أطرافها إليها.
 
ثانيًا: الأذرع الحلزونية
وهي مسالكُ نجميةٌ ملتفة حول المركز التفافًا بديعًا، وفي أحدها – المعروف بـذراع الجبّار – يستقر نظامنا الشمسي، في موضعٍ متواضع من هذا الامتداد الكونيّ الفسيح.
 
ثالثًا: القرص المجرّي (Galactic disk)
وهو السطحُ الواسع الذي تتمثّل فيه هيئةُ المجرة من منظورٍ خارجي، ويقسّمه الفلكيون – في كثير من الدراسات – إلى قرصٍ رقيق (thin disk) وقرصٍ سميك (thick disk).
فالقرص الرقيق هو موطنُ الغالبية العظمى من نجوم المجرة؛ إذ تشير تقديرات شائعة إلى أنه يضم ما يزيد على 95% منها، وفيه الغازُ والغبارُ والسحبُ بين النجمية التي تتكوّن منها نجومٌ جديدة. وتبدو حركة النجوم فيه أقرب إلى الانتظام، إذ تدور في مسالك أقرب إلى الانضباط حول المركز. وهو – بحسب موقعنا – الإطارُ العام الذي نعيش في نطاقه.
أما القرص السميك فيعلو مستوى القرص الرقيق ويمتد أبعدَ منه، وتغلب عليه النجوم الأقدم عمرًا. كما أن مادة التشكّل النجمي فيه أقلّ؛ لذلك يُذكر – في سياقاتٍ كثيرة – أن وتيرة تولّد النجوم داخله قد خفَتت منذ أزمان بعيدة. وفي هذا الجزء تبدو الحركات النجمية أقل انتظامًا، وأقرب إلى التشتت النسبي قياسًا بما في القرص الرقيق.
 
ويستعمل الفلكيون تعبير “الارتفاع العمودي” أو الارتفاع المعياري (scale height) للدلالة على مقدار امتداد القرص على محورٍ عموديّ على مستوى المجرة. وتذكر قياسات حديثة – في نطاقٍ تقريبي – أن هذا الارتفاع للقرص الرقيق يتراوح بين 250 و400 فرسخ فلكي (pc)، والفرسخ الفلكي يساوي 3.26 سنة ضوئية؛ وعليه فإن الامتداد يكون في حدود 800 إلى 1300 سنة ضوئية تقريبًا، مع ميلٍ عند كثير من الدراسات إلى قيمةٍ وسطى تقارب ألف سنة ضوئية.
 
وتورد وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) – في بعض موادها التعريفية – ما يفيد بأن القرص السميك يقارب 3000 سنة ضوئية في الارتفاع، وأن القرص الرقيق يقارب 1000 سنة ضوئية في السمك (رابط 1)
ومن جهة الدراسات المتخصصة، يُذكر في بعض الأوراق العلمية ما يدل على أن الارتفاع العمودي للقرص الرقيق يقدَّر بنحو 300 فرسخ فلكي. وتظهر في الأدبيات العلمية كذلك مراجعاتٌ لأرقامٍ كانت شائعة من قبل، ثم عُدِّلت إلى هذا المقدار أو قاربته (رابط 2، رابط 3).
 
واتفق علماء هذا العصر على أن الشمس – ومعها مجموعتنا – تقع قريبًا من منتصف هذا الامتداد، مع اختلافاتٍ يسيرة في التقدير تُعبَّر عنها بانحيازٍ محدود. فإذا قُدِّر السمك الكلي للقرص الرقيق بنحو ألف سنة ضوئية، كان معنى ذلك – على التقريب – أن موقعنا يبعد عن حدّه الأعلى قرابة خمسمئة سنة ضوئية، وعن حدّه الأسفل قرابة خمسمئة سنة ضوئية.
 
وهنا استوقفتني آيةٌ جليلة من كتاب الله تعالى، في سورة السجدة:
 
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (السجدة: 5).
 
إن قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يفتح باب التأمل في معنى التدبير: فالله تعالى هو المدبّر، يجري الأسباب على سننٍ يعلمها، ويقدّر المقادير بحكمةٍ بالغة؛ فإذا شاء مطرًا ساق أسبابه، وإذا شاء شفاءً هيّأ مسالكه، وإذا شاء رزقًا فتح أبوابه، وإذا شاء موتًا أجرى أقداره، وإذا شاء زلزالًا أظهر آياته، وإذا شاء نصرًا أعزّ عباده… وكل ذلك في سياقٍ من التدبير الذي يحيط بما نعلم وما لا نعلم.
 
ثم تأتي تتمة الآية: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ…﴾ فتأخذ المعنى إلى حركةٍ صاعدة بعد حركةٍ نازلة، مما جعل بعض أهل التفسير يذكرون أن الأمر يتعلق بمسافةٍ تُقطع، وبسيرٍ يُقدَّر، وأن الألف هنا قد تُفهم – في سياقٍ ما – على أنها مقدارٌ يرتبط بالمسير.
 
وقد كان العرب يقيسون المسافات بمقادير السير في الفلوات، فورد في تراثهم عباراتٌ من قبيل: “مسيرة يوم” و”مسيرة شهر”. ونقل الإمام الطبري – رحمه الله – في جامع البيان عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قولًا مشهورًا: “مسيرة ما بين السماء إلى الأرض خمسمائة عام”. ولهذا تكرر في بعض التفاسير القديمة ذكر الخمسمائة في سياق الحديث عن المسافة بين السماء والأرض، بما يوحي أن ثمة فهمًا مبكرًا يميل إلى حمل اللفظ على مقدارٍ مكانيٍّ مرتبط بمفهوم المسير.
ثم إن الآية لم تقتصر على قولها: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾، بل قيّدتها بقولها: ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ إذ إن كل وحدةٍ فيزيائيةٍ يستعملها البشر هي مما يعدّه الناس ويقيسونه، وهناك مقاييس متعددة متعلقة بالسنة: سنة شمسية، وسنة قمرية، وسنة ضوئية، وسنة مدارية، وسنة نجمية، وسنة تنينية، وسنة دراسية، وسنة مالية. فـ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ تُفهم على أن “الألف سنة” هنا وفق أحد المعايير الفيزيائية التي اصطلحتم عليها أنتم – أيها البشر – في العدّ والقياس.
 
والمؤمن، وهو يقرأ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، يستقر في قلبه أن مقاليد الأمور بيد الله وحده لا إله غيره؛ فيتوجه إليه بالطلب والرجاء، ويسأله هدايةً وتوفيقًا وعونًا ورزقًا وشفاءً، ويزداد يقينًا بأن ما يجري في هذا الكون – دقّ أو جلّ – واقعٌ تحت سلطان المدبّر الحكيم.
 
ثم إن اقتران “السماء” بـ“الأرض” في مواضع شتى من القرآن يشي برابطٍ معنويٍّ متكرر. فإذا نظرنا إلى “الأرض” بوصفها هذا الكوكب الصخري الذي تقوم عليه الحياة، ونظرنا – على سبيل المجاز – إلى “حياة السماء” بوصفها ولادة النجوم وتشكّلها في الفضاء، أمكن للذهن أن يتخيل “حدود السماء” في نطاق مجرتنا على أنها حدودُ ذلك الحيّز الذي تتجدد فيه النجوم وتتوافر مادتها، وهو ما يقارب – في بعض التصورات – نطاق القرص الرقيق.
 
إن الأرض – قياسًا بهذا البناء المجرّي العظيم – أشبه بحبّة رملٍ في جوف جبلٍ لا تُحاط قممه بالنظر، والبشر – وهم على تلك الحبة المتناهية الصغر – يحاولون إدراك مقادير هذا الاتساع المهيب. ولا غرابة، إذن، أن تتفاوت التقديرات البشرية، وأن تظل الأرقام قابلةً للمراجعة كلما تقدّم الرصد وتطورت أدوات القياس. غير أن اقتراب بعض التصورات العددية من معنى “الألف” اقترابًا لافتًا يفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين النصّ ودلالاته، وبين الإنسان وحدود علمه.
 
فإذا كان القرآن الكريم قد أشار إلى مقادير تُدهش العقل وتستفزّ التفكير، فكيف يتعامل المرء بعد ذلك مع ما أخبر به هذا الكتاب من الغيب الأكبر: من بعثٍ بعد موت، وحسابٍ على عمل، ثم مآلٍ إلى جنةٍ أو نار؟
 
كتبه حسني خنفر – غفر الله له ولوالديه –
8 يناير 2026
 
 
مزيد من التوضيح .. صورة تبين الـ Thin Disk:
NASA / JPL-Caltech / R. Hurt / SSC (Spitzer Science Center)
 
 :ملاحظة: نُشر هذا المقال لأول مرة على صفحة الفيسبوك 
هذه

صورة توضح القرص الرقيق في مجرة درب التبانة
Source: NASA / JPL-Caltech / R. Hurt / SSC (Spitzer Science Center)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *